محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

29

الاعمال الصوفية

اللغوية وأقنعتها واحدا واحدا : « إذا جئتني فألق العبارة وراء ظهرك ، وألق المعنى وراء العبارة ، وألق الوجد وراء المعنى » . في الرؤية تتساقط أقنعة الحجب والكشوف معا . وإذ تتساقط الحجب ، يشعر الرائي أن لغته ستطاوعه في وصف ما يراه وما يشق على التعبير . لكنه سرعان ما يكتشف عبث مشروعه ، لأن الكشوف أيضا تتساقط مع الحجب . هكذا تواجه اللغة مأزقها في قول ما لا يقال والتعبير عمّا يستعصي على التعبير ، في المكوث في لحظة الاحتفال والبهوت معا ، لحظة انفجار الفرح وتبدده في وقت واحد : « إذا ذهبت عن اسم الشيء ووصفه وعلمه ، ذهبت عن حكمه . فإذا ذهبت عن حكمه ، حللت في أوّل درجة من استواء الأضداد في الوجد » ( الحكم ، 349 ) . وحين تتساوى الأضداد ، تتداخل الحدود اللغوية بينها ، ويصبح كل حديث عن الشيء حديثا عن ضده في الوقت نفسه . وبتجاوز لحظة الانذهال عن اللغة بالمعرفة واستواء الأضداد ، يستطيع العارف أن يخترق حدود التقليد ، ويطير محلقا خارج إطار المعارف المألوفة : « إذا علمت علما لا ضدّ له ، وجهلت جهلا لا ضدّ له ، فلست من الأرض ولا من السماء » ( الموقف 55 ) . والطيران خارج حدود السماء والأرض هو طيران خارج التقاليد وخارج اللغة معا : « أن تشهد المعنى الذي به حمي الماء هو الذي به برد . فإذا كنت كذلك ، استوى عندك فقد الأشياء ووجودها » . لحظة استواء الأضداد هي لحظة اندحار اللغة وخذلانها أمام الواقع ولحظة تألق انتصارها وتحديها له معا . هي التبشير بواقع حواري آخر ، غائب أو مغيب ، تتواءم فيه النقائض ، وتتحقق الأوهام ، ويمشي الحلم واليقظة يدا بيد . وهذا هو ما تسميه البلاغة الحديثة لدى بأختين بتكافؤ الأضداد ) ecnelavibmA ( ، الذي هو من خصائص الرواية الكرنفالية في رأي بأختين ، حيث تتعاون النقائض على إنتاج واقع حواري بديل تتعانق فيه المتناقضات : الهزل والجد ، الحلم والواقع ، المعرفة والجهل ، الغموض والوضوح ، الوجه والقناع . بلاغة النفّريّ الصوفية توصلت إلى هذا المفهوم قبل بأختين بأكثر من ألف عام . مشكلة التصنيف في مثل هذا السياق الذي تصير فيه اللغة حجابا : « العبارة ستر » ، من العسير أن نصنف معارف النفّريّ . فهو يتفلسف وينكر الفلسفة ، ويعانق الحجاب ليستطلع الكشف ، ويداخل بين الغيب والشهادة ، والصمت والنطق ، والوسوسة واليقين . بلاغة